الثلاثاء 3 جمادى الأول 1443 / 7 ديسمبر 2021

مرخصة من وزارة الثقافة والإعلام برقم : غ ش 1444

صحيفة شعبية
07-27-1442 03:23
تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 184
عزلة إبداعية
عزلة إبداعية
*حمود الصهيبي
"العزلة ضرورية لكل روح تفشل في أن تحترق بعاطفة عظيمة". هذه كلمات نيكوس كازانتزاكي في كتابه الفريد " تقرير إلى غريكو"، وهي كلمات أدرك أنها تعبر عن حالتي خير تعبير.
هناك صوت داخلي دفعني إلى الهروب من الضجيج الخارجي، فوجدت نفسي وحيدا بين كتبي في مكان ناء، ومستغرقا داخل ذاتي. ورغم أنني الآن وحيد، منذ شهرين، إلا أن أرواح الكتاب والمؤلفين تعيش معي؛ إنها تتجول في المكان وتقاسمني عزلتي، وتتحدث معي في أمور كثيرة.
العزلة ترمم ما تخرب في نفسي وعقلي. إنها سلام داخلي عظيم. عزلة الكاتب تختلف عن كل عزلة أخرى. فالكاتب رهين حالة من الإبداع، رهين صوت يناديه، ويبعده عن كل ما حوله، سوى كتبه التي تضيء له شموعا، فتنير له الطريق، وهنا يستغرق في حالة من القراءة والكتابة.
لست وحيدا في عزلتي ، والتي أتلذذ في مضاجعتها. نعم، لست وحيدا أبدا، فها هو حشد من الشعراء والمفكرين والروائيين يحيطون بي، في عالمي غير المرئي بالنسبة إلى الآخرين: هوميروس، شكسبير، أبو العلاء المعري، إضافة إلى طيف واسع من الذين أغنوا حياتي بكل جميل، وفي الوقت نفسه فتحوا أمام عيني تساؤلات لا حصر لها.
عزلة الكاتب ضرورية لمتطلبات الكتابة الإبداعية. فها هو أبو العلاء المعري، رهين المحبسين، قد اختار العزلة لأكثر من أربعين عاما. إنها عزلة محمومة ومحمودة في الوقت نفسه، عزلة تخلق الإبداع الذي لا يمكن أن يتكرر. ألم تكن "رسالة الغفران" نتاج عزلة إبداعية؟ ألم تفتح هذه "الرسالة" آفاقا لدانتي، ليكررها بطريقته، ويعيش عزلة أبي العلاء؟
قال سيوران: "على الإنسان ان يتعود أن يكون بمفرده أكثر مما يتعود على الاختلاط بالآخرين". والآن أنا في عزلة عن الآخرين، ولكنني لست وحيدا. أنا في عالم يضج بالأحياء الذين ينهضون من بين صفحات الكتب، ويملؤون حياتي بهجة، وقلقا أيضا.

* شاعر وكاتب سعودي




تقييم
10.00/10 (1 صوت)